محمد بن محمد ابو شهبة

136

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

قواعد البحث العلمي أنه إذا تعارض النقل فلنأخذ بما هو أصح وأوثق ، ورواياتهم هذه التي يروونها لا تنهض إلى معارضة ما دل عليه القران ، ونصت عليه الروايات الصحيحة . وإذا كان البعض قد ارتاب في تفاصيل القصة ، فقد نفاها من أساسها ( وليم موير ) وذكر أنها من الإسرائيليات ابتدعها اليهود قبل الإسلام بأجيال ، ليربطوا بها بينهم وبين العرب بالاشتراك في أبوة إبراهيم لهم أجمعين ، أن كان إسحاق أبا لليهود ، فإذا كان أخوه إسماعيل أبا العرب فهم إذا أبناء عمومة توجب على العرب حسن معاملة النازلين بينهم من اليهود ، وتيسر لتجارة اليهود في شبه الجزيرة ، ويستند المؤرخ الانكليزي في رأيه هذا إلى أن أوضاع العبادة في بلاد العرب لا صلة بينها وبين دين إبراهيم ، لأنها وثنية مغرقة في الوثنية ، وكان إبراهيم حنيفا مسلما . وسأدع الدكتور محمد حسين هيكل - رحمه اللّه - يردّ عليه ، قال : ولسنا نرى مثل هذا التعليل كافيا لنفي واقعة تاريخية ، فوثنية العرب بعد موت إبراهيم وإسماعيل بقرون كثيرة لا تدل على أنهم كانوا كذلك حين جاء إبراهيم إلى الحجاز ، وحين اشترك وإسماعيل في بناء الكعبة ، ولو أنها كانت وثنية يومئذ لما أيّد ذلك رأي سيرموير ، فقد كان قوم إبراهيم يعبدون الأصنام ، وحاول هو هدايتهم فلم ينجح ، فإذا دعا العرب إلى مثل ما دعا إليه قومه فلم ينجح ، وبقي العرب على عبادة الأوثان لم يطعن ذلك في ذهاب إبراهيم وإسماعيل إلى مكة ، بل إنّ المنطق ليؤيد رواية التاريخ ، فإبراهيم الذي خرج من العراق فارا من أهله إلى فلسطين وإلى مصر - رجل ألف الارتحال ، وألف اجتياز الصحاري ، والطريق ما بين فلسطين ومكة كان مطروقا من القوافل منذ أقدم العصور ، فلا محل إذا للريبة في واقعة تاريخية انعقد الإجماع على جملتها . والسير وليم موير والذين ارتأوا في هذه المسألة رأيه يقولون بإمكان انتقال جماعة من أبناء إبراهيم وإسماعيل بعد ذلك من فلسطين إلى بلاد العرب ، واتصالهم وإياهم بصلة النسب وما ندري ، وهذا الإمكان جائز عندهم في شأن